أبي بكر الكاشاني

125

بدائع الصنائع

فطلقت نفسها واحدة لان هناك أتت بما فوض إليها لكنها زادت على القدر المفوض لأنه فوض إليها الثلاث مطلقا عن صفة الاجتماع والافتراق ألا ترى انها لو طلقت نفسها ثلاثا متفرقة وقعت كما لو طلقت نفسها ثلاثا مجتمعة ولو كان المفوض إليها الثلاث المجتمعة لما ملكت ايقاع الثلاث المتفرقة فإذا صارت الثلاث مطلقا مملوكة لها مجتمعة كانت أو منفردة صارت كل واحدة من الطلقات الثلاث مملوكة لها منفردة كانت أو مجتمعة فإذا طلقت نفسها واحدة فقد أتت بالمملوك ضرورة وهو الجواب عما إذا قال لها طلقي نفسك واحدة فقالت طلقت نفسي واحدة واحدة واحدة انه يقع واحدة لأنها أتت بالمفوض وزيادة فيقع القدر المفوض وتلغو الزيادة وههنا ما أتت بالمفوض إليها أصلا ورأسا فهو الفرق ولا يلزم ما إذا قال لها طلقي نفسك فقالت أبنت نفسي لان هناك أيضا أتت بالمفوض إليها وزيادة لان الزوج فوض إليها أصل الطلاق وهي أتت بالأصل والوصف لان الإبانة من ألفاظ الطلاق على ما نذكر فلغا الوصف وهو وصف البينونة وبقى الأصل وهو صريح الطلاق فتقع واحدة رجعية وذكر القدوري عن أبي يوسف في هذه المسألة ان قياس قول أبي حنيفة أن لا يقع شئ وعلى هذا الخلاف الذي ذكرنا ما إذا قال لها طلقي نفسك واحدة ان شئت فطلقت نفسها ثلاثا ولو قال لها طلقي نفسك ثلاثا ان شئت فطلقت نفسها واحدة أو ثنتين لا يقع شئ في قولهم جميعا لأنه ملكها الثلاث بشرط مشيئتها الثلاث فإذا شاءت ما دون الثلاث لم تملك الثلاث لوجود بعض شرط الملك والحكم المعلق بشرط لا يثبت عند وجود بعض الشرط ولو قال لها طلقي نفسك من ثلاث ما شئت فلها أن تطلق نفسها واحدة وثنتين وليس لها أن تطلق نفسها ثلاثا في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد تطلق نفسها ثلاثا ان شاءت وجه قولهما ان كملة من في مثل هذا الموضع تذكر لبيان الجنس فان من قال لغيره كل من هذا الرغيف ما شئت كان له أن يأكل كل الرغيف ولأبي حنيفة ان كلمة ما كلمة عامة وكلمة من للتبعيض حقيقة فلابد من اعتبار المعنيين جميعا وذلك في أن يصير المفوض إليها من الثلاث بعض له عموم وذلك اثنان فتملك ما فوض إليها وهو الثنتان وفي مسألة الرغيف صرفت كلمة من عن حقيقتها إلى الجنس بدلالة الحال وهو أن الأصل في الطعام هو السماح دون الشح خصوصا في حق من قدم إليه ولو قال لها طلقي نفسك ان شئت فقالت شئت لا يقع الطلاق ولو قال لها أنت طالق ان شئت يقع لان في الفصل الأول أمرها بالتطليق فما لم تطلق لا يقع الطلاق ومشيئة التطليق لا تكون تطليقا وفي الفصل الثاني علق طلاقها بمشيئتها وقد شاءت ولو قال لها طلقي نفسك فقالت أبنت نفسي طلقت واحدة تملك الرجعة وان قالت قد اخترت نفسي لم تطلق ووجه الفرق ان قولها أبنت من ألفاظ الطلاق لان الإبانة قطع الوصلة لغة والطلاق رفع القيد لغة الا أن عمل صريح الطلاق يتأخر شرعا في المدخول بها إلى ما بعد انقضاء العدة فكان بين اللفظين موافقة من حيث الأصل فإذا قالت أبنت نفسي فقد أتت بالأصل وزادت صفة البينونة فتلغو الصفة ويبقى الأصل بخلاف قولها اخترت لان الاختيار ليس من ألفاظ الطلاق لغة بدليل انه لو قال لامرأته اخترتك أو قال اخترت نفسي لا يقع الطلاق وكذا إذا قالت المرأة طلقت نفسي أو أبنت نفسي وقف على إجازة الزوج ولو قالت اخترت نفسي لا يقف على اجازته بل يبطل الا انه جعل من ألفاظ الطلاق شرعا بالنص واجماع الصحابة رضي الله عنهم عند خروجه جوابا للتخيير وما في معناه وهو الامر باليد فلا يكون جوابا في غيره فيلغو وحكى عن القدوري قول أبى يوسف فقال قال أبو يوسف إذا قال لها طلقي نفسك فقالت أبنت نفسي لا يقع شئ على قياس قول أبي حنيفة ووقع عندهما تطليقة رجعية كأنها قالت أبنت نفسي بتطليقة ولم يذكر خلاف أبي حنيفة في الجامع الصغير ووجه الفرق ان بين هذه المسألة وبين قوله طلقي نفسك واحدة على نحو ما بينا ولو قال لها طلقي نفسك تطليقة رجعية فطلقت نفسها بائنا أو قال لها طلقي نفسك تطليقة بائنة فطلقت رجعية يقع ما أمر به الزوج لا ما أتت به لأنها إنما تملك تطليق نفسها بتمليك الزوج لها فتملك ما ملكها الزوج وما أتت به موافق لما ملكها الزوج من حيث الأصل لان كل واحد منهما